Slider

صوت و صورة

دروس ومحاضرات

News Scroll

Favourite

Event

Culture

Gallery

مادة السلطة والنفوذ في الاسلام د.احمد العلمي: الحرية الشعبية

الحرية الشعبية

الخاصية الثالثة للنظام الإسلامي أنه: نظام حر شعبي، والحرية هي قدرة الإنسان على أن يفعل ما يعتقد أنه الصواب، فهي تتطلب معايير موضوعية لتحديد الصواب والخطإ، وتكون في نفس الوقت مسئولية وتكليفا، فالحرية ترتبط بالتكليف، ولذلك فإن بحوث الحرية في النظم الليبرالية يقابلها بحث التكليف في النظام الإسلامي في أصول الفقه وغيره.
وتدور فلسفة التكليف على أن كل مسلم مطلوب منه عدد من الواجبات الفردية [العينية] والجماعية [الكفائية]، تتحقق بأدائها عبوديته لله، كما تحقق معها حريته، إذ يلتزم بها بإرادته طوعا، ولا يسمح لأحد بإلغائها أو التصرف فيها، فالتكليف بهذا المفهوم جامع بين الحرية والواجب.
فالحقوق السياسية في الشريعة مثلا، ليست امتيازات تتحقق معها ذات الفرد الاجتماعية وحسب، بل هي "تكاليف"، يثاب عليها أو يعاقب حسب التزامه بالنزاهة والعدل، فهي جامعة بين مبدأي الحرية والواجب، فتتحول الحريات والحقوق إلى وظائف اجتماعية، تستهدف إقامة النظام.
ونظرا لهذا المنحى الوظيفي للحقوق والحريات فإن الحرية في النظام المذهبي تعتبر موصوفة بالمذهبية محدودة بإطارها، أما في النظام الليبرالي فالحرية مطلقة ما لم يقيدها القانون، وتكون ذاتية يفسرها الشخص برأيه، ويختلف مفهومها من شخص لأخر.
فالمسلم ليس حرا في أن يعتقد ما يشاء، بل حريته موصوفة بما تنص عليه العقيدة الإسلامية ولا يسعه أن يرتد عنها، وكذلك لا يجوز في النظام الاشتراكي للإنسان أن يعتقد غير المذهبية الاشتراكية أو يرتد عنها. وهذا التشابه بين النظامين هو شكلي فقط، أما الأحكام الموضوعية فتختلف بينهما.
فالحريات في النظام الإسلامي وسائر النظم المذهبية هي حريات موصوفة، أي مضافة إلى مذهبيتها، ومقيدة محجورة عن ما يضادها وعندما يراد بها هدم المذهبية أو معاداتها.
والحرية خصيصة أصيلة في النظام الإسلامي لأسباب كثيرة، وذلك أن السلطة في الإسلام مقيدة بطبيعتها، لأنها وليدة النظام، فتظل خاضعة له محدودة بحدوده. بخلاف النظم الحديثة ، حيث تقوم الدولة أولا ، ثم تمارس حقها في التحديد الذاتي فتضع النظم والقوانين.
ففي الإسلام نزلت الشريعة أولا، ثم بعد ذلك جاء الحكم والنظام السياسي، وطوال التاريخ ظلت الدولة مقيدة بهذه الأصول، لا يمكنها الانفكاك عنها.
لنلاحظ نص بيعة العقبة، لما هاجر النبي ص من مكة إلى المدينة قال ص للأنصار (بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف). الملاحظ هنا أن هذه البيعة نصت أول ما نصت عليه هو المذهبية الإسلامية العليا، وهي التوحيد، ثم نصت على العصمات الأساسية، وهي عصمة الدم والمال والعرض، ثم على الأمن الاجتماعي من الغش ونحوه، ثم العنصر النظامي وهو التزام الطاعة.
كذاك تعد الأحكام الشرعية حقوقا وواجبات لكل من الحاكم والمحكوم على وجه التساوي، فالحاكم لا يوجب من عند نفسه، وإنما ينفذ الأحكام المقررة سلفا.
فالسلطان والزوج والأب وسائر من له ولاية عامة أو خاصة لا يوجب شيئا من عنده، لأن الطاعة على الحقيقة لا تكون إلا لله.
ولا توجد في الشريعة أعمال السيادة التي تعتبرها التشريعات الحديثة غير خاضعة للرقابة القضائية، وقد اشتهر أن بعض أهل البلاد التي فتحها المسلمون، كانوا يشتكون الجيوش الإسلامية لدى مخالفتها لشروط الصلح، فيحكم القاضي بتلك الشروط، بصرف النظر عن المصلحة الحربية التي تعتبر في النظم الحديثة من أعمال السيادة التي لا تخضع للرقابة القضائية.
ومن مظاهر الحرية التي قررتها الشريعة حق إبداء النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما أن الفضيلة تؤدي إلى الحرية، لأن الواقع في الرذائل يمكن ابتزازه بها ويفقد حريته لهذا السبب.
والحرية في النظام الإسلامي شعبية، لأنها قانون الشعب، ولأنها عمل جماعي، ولأنه لا يحق للسلطة منعها، بعكس الاستبداد فهو فردي لا شعبي.
-الفرق بين الشعبية في النظام الإسلامي والنظام الديمقراطي.

1- في النظام الليبرالي: الشعب هو مصدر السلطات الوحيد والأعلى أي "مرجعية ذاته"، وبذلك فإن كلمته هي العليا فيما يصدر في الدولة من القوانين، وهو الذي يحدد في الأصل شكل الدولة ونظامها ومذهبها، ثم يعهد بالسلطة التشريعية إلى مجلس منتخب ينوب عنه.
أما في الإسلام، فإن مصدر السلطات والأحكام هو الله تعالى، وكلمته هي العليا في نظام الدولة، ولا يكون لغيره سلطة التشريع وإنما يقوم ولي الأمر في الوقت بإجراء الأعمال التنفيذية لتطبيق الأحكام الشرعية، ويقتصر حق التشريع للناس في الاجتهاد الفقهي أو الاجتهاد التطبيقي قصد التوفيق بين مصالح الأمة وحاجاتها وبين النصوص الشرعية الثابتة..
2- في الديمقراطية الحديثة يعهد بالحكم إلى عامة الشعب، أما الإسلام فيعهد بها إلى أهل الخبرة والرأي والعلم [أهل الحل والعقد] ، ولكنه مع ذلك يخالف الطبقية والأرستقراطية، أولا: لأن باب التعليم وبلوغ مراتب العلماء وأهل الرأي والخبرة مفتوح لعامة الشعب، وثانيا: لأن عامة الشعب يشاركون في توجيه الحكم بناء على مبدإ النصيحة الذي جاء في الحديث الشريف: (الدين النصيحة لله ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)
تلخيص وتحصيل
مما تقدم يتبين أن النظام الإسلامي هو نظام حتمي مذهبي وأنه يتميز بالحرية والشعبية، وكونه نظاما حتميا مذهبيا أورثه خصيصة نظامية واضحة، بسيادة وحدة الفكر والتضامن الشعبي فيه، وهذا مما يقربه شكلا من النظم الاشتراكية، مما لبَّس على كثيرين القول بأن الاشتراكية من الإسلام، وخاصة بالنظر إلى خاصية التضامن وتوجه الحقوق والحريات إلى الصالح العام باعتبارها وظيفة اجتماعية، تستهدف تحقيق المصالح المعتبر .
ولكن يفترق النظامان باختلاف موضوع المذهبية في كل منهما، فالمذهبية الإسلامية تقوم على التوحيد أي تنفيذ ما أمر الله به، ومنع ما نهى الله عنه، وباعتمادها على الكيان الفردي بسبب به من الحرية.
وكونه نظاما حرا شعبيا جعله يقترب من النظام الليبرالي لاعتماده على الكيان الفردي لا على أداة جماعية كالدولة والمؤسسات العامة ونحو ذلك.
ولكن اختلف النظامان الإسلامي والليبرالي بسبب النظامية التي يتصف بها النظام الإسلامي نتيجة لصفته الحتمية المذهبية.
فالنظام الليبرالي ليس حتميا ولا مذهبيا، ولا تتقيد فيه الحريات والحقوق بأن تكون وظائف عامة موصوفة بصفة نظام معين، بل هي مفتوحة خاضعة لتطورات الوقت ومتطلباته.
ولذلك يصدق على النظام الإسلامي –فيما نرى- بأن يوصف بأنه حر بلا فردية، أي بلا أنانية النظام الليبرالي وإطلاقه، ونظامي بلا جماعية، لأنه لا يعتمد على الأدوات الجماعية كالدولة، بل يعتمد على الأفراد ويوليهم ولايات عامة، تشبه ما تتمتع به السلطة العامة، حتى يصح القول بأن السلطة القادرة بمالها واتباعها تشبه الفرد القوي إذا كان له مثل ذلك.

مادة السلطة والنفوذ في الاسلام د.احمد العلمي: معنى المذهبية


المذهبية


معنى المذهبية هي التعاليم والمبادئ والأفكار التي يقول بها منشئ النظام، والتي ينزلها أنصاره منزلة العقيدة العامة، والتي يصحبها تخطيط وبيان لكيفية التنفيذ.
وتقوم كل مذهبية على حتمية معينة، فإذا وصل الاعتقاد بالحتمية إلى حد الإيمان والعقيدة العامة فإنها تتحول إلى مذهبية يجري التخطيط لتطبيقها وكيفية تنفيذها.
*ميزات المذهبية
تتميز المذهبية بما يلي:
1- أنها عقيدة عامة وهدف اجتماعي: فالعقيدة والإيمان في علم النظم لا ينظر إليهما باعتبارهما أمرا بين الإنسان وربه أو بينه وبين نفسه، وإنما ينظر إليهما كغرض اجتماعي عام يسير النظام كله في هديه، أي كمذهبية يلزمها النظام أفراده. ولا تكون المذهبية شعارات ونداءات جوفاء، بل يجب أن تكون هدفا اجتماعيا وغاية مستمرة، يعمل المجتمع لبلوغها وتحقيقها، وتصير أهم ضرورات المجتمع، بحيث يضحي من أجلها بالنفس والمال.
2- أن المذهبية تكون مدونة: فقد تكون المذهبية أحيانا وثائق مستقلة، كالكتب السماوية التي هي في الأصل عهد بين الإنسان والله، على أن يعمل الإنسان على تحقيقها، وأن يضحي في سبيل ذلك بكل غال ونفيس.
وقد تكون في صورة إعلان أو ميثاق، أو في صورة مقدمة للدستور، ونحو ذلك من القواعد البرنامجية، ذات القدسية العالية، ولذلك فإن مقدمات الدساتير ليست قطعا إنشائية أدبية، ولكنها أعلى الأحكام الدستورية المقيدة للدستور نفسه.
ويعتبر القرآن الكريم الوثيقة العليا للمذهبية الإسلامية، إذ هو مصدرها بما يتضمن من أحكام القانون البشري الأعلى الخالد ، فيجب العمل على استخلاصها، وبذلك يتحول القرآن إلى إمام ومرشد أعلى ومنهج للحياة، وكذلك الحديث الشريف، يجب اتخاذه معيارا للتصرف وأساسا له، ولا تصح مخالفته.
3- أن المذهبية لا تكون غاية مؤقتة تنقضي باستنفاذها، كتحرير أرض الوطن، أو الانتصار في حرب، بل المذهبية لا تعتبر كذلك إلا إذا كانت مستمرة ودائمة.
* الفرق بين المذهبية والنظام العام.
قد يقع الخلط بين النظام العام والمذهبية، وإذا كان معنى المذهبية ما سبق فإن معنى النظام العام "تلخيص أو بلورة لثقافة جماعة معينة في وقت معين" وهذه الفكرة في الأصل تتعلق بالأمور التي لا تجوز مخالفتها عند الاتفاق، (كثير من الحريات والحقوق الأساسية والآداب من النظام العام لتعلقها بالمصالح العامة للمجتمع أو لعلوها عن نطاق المصالح الشخصية).
وتختلف فكرة النظام العام عن فكرة المذهبية من وجوه:
أ- فكرة النظام العام فكرة وقتية متغيرة، فما يعتبر من النظام العام قد لا يصير كذلك بعد وقت، وخاصة إذا صدر قانون يبيح ما كان محظورا.
أما المذهبية فهي تستند إلى حتمية دائمة، ولذلك فهي لا تقبل التغيير.
ب- فكرة النظام العام فكرة جزئية لا تشمل النظام كله، فالنظام العام في القانون المدني غيره في القانون التجاري، أو في المجال الجنائي والإداري، إذ لكل مجموعة من الأحكام غايتها الخاصة، لذلك تستقل عن بعضها البعض.
فمثلا: غاية القانون الجنائي هي الردع والزجر وحفظ الأمن العام، بينما غاية القانون الإداري هي حسن سير المرافق العامة واطرادها.
أما المذهبية فهي مظلة شاملة تغطي النظام كله بقيود واحدة، لذلك فلا نجد في النظم المذهبية فكرة ازدواج القوانين، كالمدني والإداري بل يخضع الجميع لمنهج واحد.
ج- أن الدفع بمخالفة النظام العام هو دفع على مستوى الدفع بمخالفة القانون، فالنظام العام يقرره القانون غالبا، ويجوز للقانون أن يسمح أو يقيد ما يعتبر من النظام العام، ولا يجوز للنظام العام أن يتحدى الدستور أو يطاوله، أما المذهبية فهي دفع على مستوى الدستور، فما كان مخالفا للمذهبية يكون مخالفا للدستور، لأن الدستور إنما وضع تنفيذا للمذهبية وتحقيقا له، فلا يجوز له أن يخالفها، ومن هنا قيل: إن المذهبية تعلو على الدستور وتسبقه، فلا يجوز له أن يخالفها، فالمذهبية هي مصدر المشروعية العليا.

مادة السلطة والنفوذ في الاسلام د.احمد العلمي: خصائص النظام الإسلامي نظم إرادية ونظم حتمية

 خصائص النظام الإسلامي: نظم إرادية ونظم حتمية

أهمية التصنيف وبيان الخصائص هي التمكن من مقارنة النظام الإسلامي مع النظم الأوربية الحديثة من جهة، ومن جهة أخرى تخريج الخطوط العريضة الضرورية لإقامة النظام الإسلامي وامتداده في هذا العصر، والتصنيف هنا يعتمد عقيدة النظام وشعبيته لا على شكل الحكومة.
يتميز النظام الإسلامي في الحكم بثلاث خصائص كبرى هي: أ- الحتمية ب- المذهبية ج- الحرية الشعبية.
الفصل الأول: الحتمية
تنقسم النظم عموما إلى قسمين كبيرين: نظم إرادية ونظم حتميةأ- النظم الإرادية
النظم الإرادية: هي التي يسند أصحابها أساس النظم الإنسانية إلى "إرادة الإنسان"، فترى أن الإنسان هو صانع النظم، وصانع الدولة ، وصانع القوانين وسائر الأوضاع، وذلك باستقلال عن أية مرجعية دينية أو أخلاقية.
وقد قويت الأفكار الإرادية ونادى بها أنصار "الحقوق الطبيعية" و"العقد الاجتماعي"، مثل روسو وهوبز ومنتسكيو.
ملخص نظرية هؤلاء أن الإنسان في حالته الفطرية الطبيعية الأولى كان كامل الحرية مالكا لكل شيء، فلما احتاج إلى الاجتماع اتفق الأفراد على "عقد اجتماعي" أبرموه فيما بينهم، تنازلوا بمقتضاه عن بعض حرياتهم، على أن تبقى حقوقهم مطلقة في سائرها، فلا يجوز بعدها تقييد الحريات إلا بالإرادة العامة، ولما كان متعذرا جمع الناس جميعا لتعديل العقد الاجتماعي الأول عند الرغبة في إضافة قيود جديدة للحريات، فإنهم أناطوا الاختصاص بذلك لنواب يتنخبهم الشعب وتتشكل منهم سلطة تشريعية.
وقد انتصرت تعاليم هذه المدرسة بنجاح الثورة الفرنسية، وهي مصدر الفكر الديمقراطي الليبرالي الحر، وتسمى هذه المدرسة بالمدرسة الفردية لأنها تعتبر الفرد أساس المجتمع.
ففي هذه المدرسة وهذا النظام تكون "المصلحة الشخصية" هي الهدف، الذي يعمل له كل فرد ، وتكون حقوقه "مصلحة يحميها القانون"، ويكون كل فرد مطلق الحرية في أن يتصرف في نطاق حقوقه الخاصة ما دام لا يضر بالغير ولا يخالف القانون، ولذلك تسمى هذه المدرسة بـ"المدرسة الذاتية".
ويقتصر دور الدولة في هذا النظام في الأصل على تأمين الحريات للأفراد والعمل على عدم تضاربها.
-ما يترتب على النظم الإرادية
تترتب على النظام الإرادي النتائج التالية:
أولا: أن سلطة المشرع الوضعي في سن التشريعات تكون مطلقة، إذ إن له حقا ذاتيا في التشريع كيف يشاء، وكل الظروف العامة التي يتأثر بها المشرع هي مناسبة تقدر عند التشريع، ولكنها لا تجبره على أمر معين.
ويرتبط بهذا الأساس القول بـ"التحديد الذاتي" للدولة، إذ تصير هي مرجعية ذاتها لا تعلوها أية مرجعية متجاوزة لها، مما يجعل للدولة سلطة مطلقة في تحديد النظام حسبما ترى، وإصدار القوانين كيف تشاء، إلا أنها متى أصدرت شيئا من ذلك التزمت به .
غير أن من عيوب الحرية التي يتمتع بها المشرع الوضعي في هذا النظام أن القانون أصبح أداة طيعة في يد النظام الذي يسود الحكم ، وأصبح من السهل أن تستولي المصالح الوقتية على الأداة التشريعية وأن توجهها كيف تشاء.
ثانيا: أن المشروعية في هذا النظام هي مشروعية شكلية تعتمد على جهة الإصدار أعلاها الدستور ثم القانون ثم القرارات والتصرفات الفردية.
ثالثا: أن الحريات والحقوق تكون "مطلقة" لأصحابها، لا حدود لها ولا ضابط إلا 1- أن يقيدها القانون بنص صريح، 2- أو لاعتبارات النظام العام، 3- أو ما لم تضر بالغير.
ب- النظم الحتمية.
هي النظم التي تستند إلى قوة حتمية تعلو إرادة أفراد المجتمع ، ويجب على المشرع الوقتي أن يحاول اكتشافها وأن يتابعها فيما تقتضيه.
هذا النوع ينطلق من "المبادئ والمثل" التي تهيمن على المجتمع لا من المجتمع نفسه، أي من الأرضية التي يتقاسمها الأفراد كحقوق ذاتية بهم.
والنظريات الحتمية تسمى أيضا بنظريات المدرسة الموضوعية، وذلك بسبب أنها لا تنظر إلى الحقوق الخاصة أو الذاتية للأفراد كالنظرية الإرادية ، ولكنها تنظر إلى موضوع معين هو الهدف أو الغرض الاجتماعي الذي يسيطر على الجماعة.
وأصل النظم الحتمية هو "حكم الكنيسة"، الذي ساد أوربا خلال القرون الوسطى، حيث كانت ترى أن القانون الإلهي هو الذي يحكم العالم، وأن على الإنسان أن يتبعه. لكن أوربا تمردت على هذا النظام بسبب استغلال الكنيسة وعسفها وظلمها وتحالفها مع الإقطاع.
ثم ظهرت نظرية أخرى، ولكنها تسند السيادة إلى "القانون الطبيعي" ، وقد ازدهرت هذه النظرية في ق 16 على يد جروسيوس وأتباعه، ثم انتكصت لما قيل عنها إنها "خيالية" وأنه لا وجود للقانون الطبيعي المزعوم، وحلت محلها النظرية الإرادية الفردية في ق 18.
وفي منتصف ق 19 عادت النظرية الحتمية إلى الازدهار بظهور نظرية ماركس وهي نظرية تحكمها جملة من الحتميات الاشتراكية.
وقد قوبلت هذه النظرية في المعسكر اللبرالي بابتداع نظريات حتمية مقابلة، أهمها "النظرية النظامية" التي قال بها العميد هوريو وأتباعه، وكذا نظريات ماكس فيبر وغيره.
مما ترتب عنه اصطباغ الفكر السياسي والقانون الاجتماعي عموما بهذه النظريات، وهي في أصلها نظريات دينية عمدت إلى إحياء فكرة القانون الطبيعي باعتباره مجموعة من المبادئ الرشيدة التي أودعها صانع الطبيعة في عقول البشر.
ومما يوضح هذا الاتجاه الديني ما بينه رينار في كتابه "نظرية المنظمة" من أن جميع الأمور تسير على نظام دقيق، وأنه لم يشذ عن ذلك سوى الإنسان وأن هذا التنظيم الشامل يدل على وجود المنشئ المنظم، ولذلك فجميع النظم الإنسانية إنما تتقيد بأن تكون في إطار هذا التنظيم الإلهي الأعلى الذي يعتبر قانون الإنسانية.
لقد اتخذ كثير من الفلاسفة وفقهاء القانون من فكرة "القانون الطبيعي" أساسا مثاليا دينيا للنظم الإنسانية، وذلك باستلهام النظام الطبيعي باعتباره دليل دقة التنظيم الإلهي، فينبغي اكتشافه وبناء النظام الاجتماعي على أساسه، لكنه تتوجه هنا ملاحظتان: الأولى: أن النظام الطبيعي لا يصلح دليلا على الإرادة الإلهية، لأن قوانين الطبيعية مستقلة عن الإنسان وعن القيم الدينية والأخلاقية، فلا يسوغ جعل النظام الطبيعي أساسا للظاهرة الإنسانية، والثانية: أن المسيحية لا تتضمن نظاما اجتماعيا، لذلك قام هؤلاء الفلاسفة بجعل الدين أساسا مثاليا للنظام، ثم النيابة عن الدين في تحديد عناصره ومقوماته وخصائصه، أي أنها في الحقيقة علمانية بشعار ديني..
يقول أنصار هذه النظرية: إن المجتمع يسيطر عليه هدف اجتماعي أو غاية اجتماعية، وأنه بسبب وحدة الهدف يتضامن الناس في أعمالهم ويكونون قاعدة شعبية واحدة ويكون على المشرع الوقتي والسلطة والأفراد اتخاذ الوسائل التي تؤدي إلى تحقيق الهدف الاجتماعي وإقامته.
*ما يترتب عن النظام الحتمي

تترتب على اعتماد هذا النظام الحتمي نتائج منها:
أ‌- تكون سلطة المشرع الوقتي مقيدة بالهدف أو الغاية التي تهيمن على المجتمع بحيث يبطل أي وضع يعارض هذه الغاية.
ب‌- تكون المشروعية في هذا النظام مشروعية موضوعية تعتمد على مدى الموافقة للغاية الاجتماعية بصرف النظر عن جهة الإصدار.
ج- تكون الحقوق والحريات في هذه النظم موصوفة بالغاية الاجتماعية المهيمنة على النظام ولا تكون مطلقة كما في النظام الليبرالي.
*هل الأنظمة الحتمية واحدة.
1- تقوم الحتمية الاشتراكية على افتراض أن الإنسان مخلوق اقتصادي بطبيعته، وأنه كان في لحظة تاريخه الأول مالكا لكل شيء ملكية مشاعية، لكن ظهور الملكية والأسرة والدين أدى إلى نشوء الطبقات الاجتماعية.
وقد ترتب على ذلك أنه –بالتحليل المادي للتاريخ- تبين أن هناك صراعا بين الطبقات، بسبب استغلال أصحاب رأس المال للكادحين، وأن هذا الصراع تجلى أولا بين السادة والعبيد، ثم بين الأمراء الإقطاعيين والفلاحين، ثم بين النبلاء والشعب، ثم بين الطبقة البرجوازية وطبقة العمال الكادحين.
وتتطلب التناقضات الناشئة عن هذه الحالة هدم النظام القديم المنبني على الرأسمالية، وإقامة نظام جديد يعتمد على إلغاء الملكية الخاصة والأسرة والدين، وإقامة عدالة اجتماعية على أسس مادية.
ويرى الماركسيون أن هذا النظام الجديد حتمي للقضاء على الاستغلال والصراع الطبقي.
نقد النظرية الحتمية الماركسية
تنتقض النظرية الماركسية بثلاث نواقض رئيسة: أولا: أن المرجع في تحديد دوافع السلوك هو لعلماء النفس، وهم لم يقولوا إن الاقتصاد هو الغريزة العليا لهذا السلوك، إذ إن الغرض الاقتصادي في حياة الناس هو "غرض وسيط"، وليس "غرضا غائيا نهائيا"، فالإنسان لا يقتصر على السعي وراء المنفعة الاقتصادية، بل يفعل ذلك ليبددها في مقاصده الحسية والمعنوية وأهوائه، وهي التي تشكل له حوافز السعي المادي.
ثانيا: أن الترتيب الذي اختاره ماركس لإثبات التحليل المادي للتاريخ لم يطابق واقع التاريخ البشري، وربما حدثت بعض أطواره في بعض بلاد أوربا الغربية، ولكنه لم يحصل في بريطانيا والولايات المتحدة والعالم الإسلامي والصين والشرق الأقصى وأمريكا الجنوبية وإفريقيا، أي معظم العالم.
ثالثا: أن التطبيق الفعلي للماركسية لم ينه التناقضات والاستغلال، بل استمرت التناقضات والصراعات في ظل الماركسية نفسها.
ج- هل النظام الإسلامي حتمي أم إرادي؟
من الناحية المبدئية لا يمكن تطبيق خصائص أي من النظامين على النظام الإسلامي كما قلنا، لما تقدم من أنه نظام مستقل بذاته ومتميز بخصائصه. نعم قد يشبه النظام الإسلامي النظام الإرادي الديمقراطي كما سبق، في قيمة الحرية والحق والمساواة وحرمة الشخصية الإنسانية في كليهما، حتى إن حماية حق الحياة والأمن الشخصي والاجتماعي للناس كان وراء تنازل الفقه الإسلامي واعترافه بالنظام القهري الاستبدادي في الماضي والحاضر.
وفي المقابل نجد عدة عناصر حتمية في النظام الإسلامي، بحيث إن الإسلام موجود قبل النظام، ووظيفة هذا النظام هي تنفيذ مقتضياته وأحكامه، وليست الإرادة الشخصية الحرة هي التي تنشئه، كما أن الحقوق والحريات صادرة عن الشارع وهو الله تعالى، فالفرد لا يحدد مفهوم الحرية والحق ولا حق له في التشريع، بل كل ذلك مستقل عن الفرد والحكومات والأشخاص.
لذلك كان النظام الإسلامي أقرب ما يكون إلى النظام الحتمي منه إلى النظام الإرادي، لكن لا تسمح الحتمية الإسلامية –إن صح هذا التعبير- بظهور الدولة الشمولية والتيوقراطية ونظام الحزب الواحد الذي يملك أفراده الحق في تفسير الحتمية للناس وفرضها عليهم، وذلك بسبب استقلال الوحي الإلهي عن الناس، وعدم وجود سلطة لأحد في أن ينوب عن الله أو يحدد عناصر الحتمية أو أ ن يحكم بالحديد والنار لأنه يمتلك سر الحتمية وسلطة تأويلها

مادة السلطة والنفوذ في الاسلام د.احمد العلمي : هل للإسلام نظام اجتماعي؟ وما طبيعته؟

  هل للإسلام نظام اجتماعي؟ وما طبيعته؟


يتعين في هذه النقطة الجواب على سؤالين: 1- هل للإسلام نظام اجتماعي وسياسي؟ 2-وما هي طبيعة هذا النظام؟
1- هل للإسلام نظام اجتماعي وسياسي؟
لم يسبق أن تساءل أي مفكر أو عالم أو فقيه أو رجل قانون مسلم خلال ثلاثة عشر قرنا عن وجود نظام اجتماعي سياسي إسلامي، ولا شكك أحد أو طعن فيه. والسبب أن هذا النظام جزء عضوي من الإسلام نفسه ومن رسالته ومن مقصود نزوله إلى البشرية، فلا معنى للإسلام ولا وجود له خارج الحياة، ولا تكليف له لإنسان دون مجتمع، بل تتعلق أحكامه بكل أفعال المكلفين في جميع المجالات.
لكن مع سقوط الخلافة العثمانية في أوائل القرن العشرين، طرح عدد من أتباع المدرسة العلمانية في العالم الإسلامي شبهة عدم وجود نظرية إسلامية للحكم، وأن الإسلام علاقة فردية بين الإنسان وربه، كالمسيحية ولا فرق، وكان غرضهم من هذا الطعن في النظام الإسلامي اتباع النظريات الغربية وجعلها المصدر الوحيد للدستور والقانون والتنظيم الاجتماعي عموما.
والحقيقة أن أخطر المشككين في النظام الإسلامي كان هو علي عبد الرازق، بكتابه "الإسلام وأصول الحكم" الذي ألفه في أبريل سنة 1925، ومصدر خطورته هو معرفة هذا الكاتب بالثقافة الإسلامية وكونه من أبناء الأزهر، وأول مسلم ينادي بمبدإ العلمانية ، مما جعله المرجع الأول لكل الطاعنين في نظام الحكم في الإسلام طيلة القرن العشرين.
ومجمل نظرية علي عبد الرازق في هذا الكتاب أن الإسلام لا يحتوي على نظرية مستقلة في الحكم، ولا طلب إقامة حكومة، وقام –لدعم مقولته- بتأويل كل النصوص والأفعال الشرعية المتعلقة بأحكام النظام الإسلامي، بأنها خاصة بالرسول ص، أو بأنه لا تنص نصا صريحا على "الدولة" و"السلطة"، أو أن مضامينها مجرد أعراف غير ملزمة لسائر الناس.
وقد رد عدد واسع من العلماء والمفكرين المعاصرين لعلي عبد الرازق على شبهته هذه التي تفرد بها، وفندوها بالحجج الدامغة والأدلة الوافية.
لكن الوقائع والأحداث السياسية والعسكرية في العالم الإسلامي خلال القرن العشرين، وتواتر البحوث والدراسات القانونية والفقهية والفكرية في هذا المجال، كل ذلك تجاوز هذه الشبهة وجعل منها جزءا من تاريخ الأفكار المعاصرة، ولم يعد يستطيع ذو عقل سليم ومعرفة صحيحة القول إن النظام الإسلامي غير موجود من الأساس. وأصبح السؤال الرائج هو التوفيق بين مقتضيات هذا النظام وبين الأنظمة السائدة في العالم الإسلامي، أو ما هي الصيغ التطبيقية التي "يمكن" بها وضع النظام الإسلامي حيز التنفيذ رغم إكراهات المناخ الدولي الذي يتخوف منه بسبب ظروف تاريخية ونفسية وثقافية معروفة.
لذلك لن نعرج على محتوى هذه الشبهة بالرد والمناقشة، إذ في ما سبق ويأتي من محتوى هذا المقرر الحجج الكافية مجملة ومفصلة على هذا النظام، وأكتفي أن أسرد جملة من نصوص بعض المستشرقين والدارسين الغربيين الذين اعترفوا للإسلام بالخاصية الاجتماعية والسياسية، وقيمة هذه النصوص أنها اعتراف من دارسين أجانب بأمور من الإسلام، ما كان ينبغي أن يكون فيها متشكك من أهل النخبة المثقفة في العالم الإسلامي..
-يقول د فتزجرالد في كتابه القانون المحمدي ص:1"ليس الإسلام دينا فحسب(a religion) ولكنه نظام سياسي أيضا، وعلى الرغم من أنه ظهر في العهد الأخير بعض أفراد من المسلمين ممن يصفون أنفسهم بأنهم "عصريون" يحاولوا أن يفصلوا بين الناحيتين، فإن صرح التفكير الإسلامي كله قد بني على أساس أن الجانبين متلازمان، لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر".
-يقول ذ نلليو –حسبما نقل عنه أرلوند في كتابه "الخلافة" ص: 198-: "لقد أسس محمد في وقت واحد دينا ودولة، وكانت حدودهما متطابقة طوال حياته".
-يقول د شاخت في موسوعية العلوم الاجتماعية 8/333: "على أن الإسلام يعني أكثر من دين إنه يمثل أيضا نظريات قانونية وسياسية، وجملة القول إنه نظام كامل من الثقافة يشمل الدين والدولة معا".
-يقول ذ ستروثمان في دائرة المعارف الإسلامية 4/350: "الإسلام ظاهرة دينية سياسية، إذ إن مؤسسه كان نبيا وكان سياسيا حكيما أو رجل دولة".
-يقول ماكدونالد في كتابه التطور التيولوجي والقانوني والدستوري في الإسلام ص: 67: "هنا [أي في المدينة] تكونت الدولة الإسلامية الأولى ووضعت المبادئ الأساسية للقانون الإسلامي".
- يقول السير أرلوند في كتابه الخلافة ص: 30: "كان النبي في نفس الوقت رئيسا للدين ورئيسا للدولة".
-يقول الأستاذ جب في كتابه المحمدية ص: 3: "عندئذ صار واضحا أن الإسلام لم يكن مجرد عقائد دينية فردية، وإنما استوجب إقامة مجتمع مستقل، له أسلوبه المعين في الحكم وله قوانينه وأنظمته الخاصة به" .
2-ما طبيعة النظام السياسي الإسلامي؟
هل توجد صفة من الصفات التي توصف بها الأنظمة السياسية يمكن أن ينعت بها النظام الإسلامي؟ فهل هو نظام "ديمقراطي" أو هو "تيوقراطي" أو "أوتوقراطي" أو مزيج منها أو هو شيء آخر مستقل عنها جميعا؟
لقد اختلفت إجابة الدارسين المعاصرين عن هذا السؤال بحسب نظر كل منهم، فبالنسبة للعلماء والمفكرين والفلاسفة ورجال القانون والفقه الإسلاميين فالنظام الإسلامي يأخذ في بعض جوانبه بطرف من كل هذه النظم، ولكنه في جوهره مستقل بذاته، لا يطابق أيا منها، وأما بالنسبة للدارسين الأوربيين وأنصار المدرسة العلمانية فإنهم اختلفوا حسب ما رأوا أنه السمة البارزة في هذا النظام، وهذا عرض ملخص لبعض هذه الآراء:
-قال ذ سنتيلانه "santillana" في كتابه the legacy of islam ص: 286: "الإسلام هو حكومة الله المباشرة، يحكمها الله الذي يرعى شعبه دائما، فالدولة في الإسلام يمثلها الله، حتى الموظفون العموميون هم موظفون عند الله". فالإسلام في نظره حكومة ثيوقراطية..
- ويقول الأستاذ موير في كتابه الخلافة ص: 600: "المثال والنموذج للحكم الإسلامي هو الحاكم المستبد المطلق" أي أن الإسلام عنده ذو حكومة "أوتوقراطية" استبدادية..
-وقريب منه قوله ماكدونالد في كتابه السابق الذكر ص: 58: "مع بعض القيود يلزم أن يحكم الإمام كحاكم مطلق".
-زاد ذ مرجيليوث في كتابه "المحمدية" ص: 93: "إنه يمكن أن يقال إن مبدأ الحكومة "الأوتوقراطية" أي الاستبدادية قد ظل مسلما به، لا يجادل أحد فيه في الأقطار الإسلامية، حتى القرن التاسع عشر، وذلك حين وصلت الموجة التي صدرت عن الثورة الفرنسية عن طريق تركيا إلى المناطق الحارة" ثم يقول: إن ملاءمة "المنطقة الحارة للمبادئ الدستورية موضع شك"، واستدل على ذلك بأن كلمات "أكثرية – أغلبية – صوت – انتخاب.." لم تعترف في الشرق إلا حديثا .
-يقول أرلوند في دائرة المعارف الإسلامية 2/884 عن الحكومة الإسلامية: "إنها أوتوقراطية أدعى لها، لأنها مبنية على الوحي الإلهي"، ثم قال: "وقد جعل واجبا دينيا مؤكدا على الفرد المسلم أن يطيع الحكومة الاستبدادية التي يقوم عليها الخليفة".
فهؤلاء جميعا يرون الحكم الإسلامي جامعا بين كونه حكما دينيا "ثيوقراطيا" واستبداديا "أوتوقراطيا".. والذي دعاهم إلى هذا الرأي –بالإضافة إلى كونهم مستشرقين يجمعون بين التعصب وقلة الدراية- هو أنهم أصدروا أحكامهم هذه استنادا إلى الخلافة الواقعية التي سادت في التاريخ الإسلامي في كثير من فتراته، فهم لا يميزون بين المبادئ الإسلامية في الحكم كفكر وقانون ونظريات، وبين ما حدث في العالم الإسلامي من ممارسات الحكام التي اعتبرت بإجماع خارجة عن المبادئ الشرعية في الحكم..
- وقال علي عبد الرازق في كتابه "الإسلام وأصول الحكم" ص: 35: "إن يكن الفقهاء أرادوا بالإمامة والخلافة ذلك الذي يريده علماء السياسة بالحكومة كان صحيحا ما يقولون من أن إقامة الشعائر الدينية وصلاح الرعية يتوقفان على الخلافة بمعنى الحكومة في أي صورة كانت الحكومة ومن أي نوع: مطلقة أو مقيدة، فردية أو جمهورية، استبدادية أو دستورية أو شورية ديمقراطية أو اشتراكية أو بلشفية .."، والعجب هنا كيف جعل الكاتب كل هذا الخليط من الأنظمة مع ما بينها من اختلاف وتناقض هو الممثل للنظام الإسلامي؟
-ويقول ذ مجيد خدوري في كتابه الحرب والسلم في القانون الإسلامي ص: 7: "إن نظام الحكم في الإسلام –وإن كان أقرب شيء إليه التيوقراطية- أولى أن يسمى "النوموقراطية" وهذه تعني "حكومة القانون" أي التي يكون فيها القانون صاحب السيادة".
-وقال طه حسين في كتابه الفتنة الكبرى ص: 31: "لم يكن نظام الحكم الإسلامي في ذلك العهد إذن نظام حكم مطلق ولا نظاما ديمقراطيا على نحو ما عرف عند اليونان، ولا نظاما ملكيا أو جمهوريا أو قيصريا مقيدا على نحو ما عرف عند الرومان، وإنما كان عربيا خالصا.. فهو لم يكن ملكا، ولم يؤذ النبي وصاحبيه شيء كما كان يؤذيهم أن يظن بهم الملك، وهو لم يكن جمهوريا، فلم نعرف في نظم الجمهورية نظاما يتيح للرئيس المنتخب أن يرقى إلى الحكم فلا ينزله عنه إلا الموت، ولم يكن قيصريا بالمعنى الذي عرفه الرومان، فلم يكن الجيش هو الذي يختار الخليفة، فهو إذن نظام عربي إسلامي خالص لم يسبق العرب إليه ثم لم يقلدوا بعد ذلك فيه". وكلام طه حسين هنا يقرر جانبا من الحكم الصحيح على النظام الإسلامي، إلا في وصفه له بأنه عربي خالص خطأ من وجهين، أولهما: أن الدين الإسلامي دين إنساني وليس عربيا، وإلا فإنه وصفه بالعربي يستلزم نوعا من العنصرية يتنزه عنها النظام الإسلامي. والثاني: أن العرب لم تعرف في تاريخها الطويل سوى النظام الملكي أو القبلي أو الفوضوية، ولم تعرف نمط "الخلافة" الإسلامية، بل إنها إنما قاومت الإسلام وحاربت النبي ص دفاعا عن قيمها وأنظمتها القبلية التي لا تتفق مع الإسلام.
والقول بأن الإسلام نظام ثيوقراطي خطأ، قال ضياء الدين الريس: "إن الثيوقراطية إنما يقصد بها حكومة الإله أو الآلهة، أو زعماء روحيين مقدسين، ومن أمثلتها حكومة البابوات في العصور الوسطى، فيكون لهؤلاء الرؤساء سلطات روحية، ولهم حق الغفران والحرمان، وتجب لهم الطاعة المطلقة، وأقوالهم قانون، لأنهم يدعون أنهم يمثلون الإرادة الإلهية، والإسلام ليس كذلك، فهو خال من الكهانة، وليس لهيئة خاصة حق احتكار الشريعة أو أنها تتمتع بخصائص روحية، وما الإمام أو رئيس الدولة في إلا منفذ للشريعة، خاضع لأحكامها، وهو معين من قبل الأمة التي تنتخبه ولها الحق أن تعزله، وحق الاجتهاد مقرر للفرد، كما أن إرادة الأمة التي تصدر في صورة إجماع معترف بها أنها جزء أساسي من الشريعة، فمن كل هذه الوجوه يخالف الإسلام إذن الثيوقراطية" .
-وهناك آراء كثيرة تنص على أن للإسلام نظاما ديمقراطيا، نظرا لما تتمتع به الأمة من قيمة فيه, ولما يشتمل عليه الإسلام من مبادئ ديمقراطية، كالمساواة أمام القانون وحرية الرأي، وكفالة الحقوق، لكن بين الإسلام والديمقراطية فروق كثيرة أهمها:
1- أن المراد بكلمة الأمة أو الشعب في الديمقراطية الغربية أنه مجموعة من الناس المحصورين في حدود جغرافية وتعيش في إقليم واحد، وتجمع بين أفراده روابط من الدم والجنس واللغة والعادات المشتركة، أي أن الديقراطية مقترنة بفكرة "القومية" ودولتها دولة قومية. أما الإسلام فمختلف، فليست الأمة عنده هي التي ترتبط برابطة المكان واللغة والجنس والدم، بل رابطة الأمة الأساسية هي رابطة وحدة العقيدة الإسلامية، فكل من اعتنق الإسلام فهو عضو في الأمة الإسلامية، فنظرة الإسلام إنسانية وأفقه عالمي، قال تعالى: (وما أرسلناك إلا كافة للناس) (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) على أنه لا يطلب إلغاء راوبط الدم واللغة والعادات، بل يؤكدها، قال تعالى (ومن آياته اختلاف ألسنتكم وألوانكم)، وقال: (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) ..
2- أن أهداف الديمقراطية الغربية هي أغراض دنيوية مادية ترمي إلى تحقيق سعادة أمة أو شعب بعينه، من حيث تحقيق مطالبه في هذه الحياة الدنيا فقط، كإنماء الثروة أو الرفع من الأجور أو كسب حربي ما، لكن أغراض النظام الإسلامي تشمل الأهداف الدنيوية والأخروية معا، قال ابن خلدون في غرض الإمامة: إنها "لتحقيق مصالح الناس الأخروية والدنيوية".
3- أن سلطة الأمة في الديمقراطية الغربية مطلقة، فالأمة حقا وعلى الإطلاق هي صاحبة السيادة، هي –أو المجلس الذي تنتخبه- التي تضع القانون أو تلغيه، والقرارات التي تصدر عن هذا المجلس تصبح قانونا واجبا النفاذ وتجب له الطاعة، حتى وإن جاءت مخالفة للقانون الأخلاقي أو متعارضة مع المصالح الإنسانية العامة، فالديمقراطية مثلا تعلن الحرب من أجل سيادة شعب على شعب، أو الاستيلاء على سوق أو احتلال مكان، أو احتكار منابع النفط.. لكن في الإسلام ليست سلطة الأمة مطلقة هكذا ، وإنما هي مقيدة بالشريعة نفسها، ولا تستطيع أن تتصرف إلا في حدود القانون الإسلامي.
قال ذ الريس: "فما دمنا قد أثبتنا أن الإسلام لا يتطابق مع أي من النظم السابقة التي عددناها، فليس الحاكم إذن هو صاحب السيادة، لأن الإسلام ليس "أوتوقراطية"، ولا رجال الدين أو الآلهة لأنه ليس ثيوقراطية، ولا القانون وحده لأنه ليس نومقراطية، ولا الأمة وحدها لأنه ليس ديمقراطية بهذا المعنى الضيق، وإنما الجواب الصحيح أن السيادة فيه مزدوجة، فالسيد أمران مجتمعان، ينبغي أن يظلا متلازمين، ولا يتصور قيام الدولة وبقاؤها إلا بوجود هذا التلازم، هذان الأمران هما: 1 الأمة، 2-القانون أو شريعة الإسلام، فالأمة والشريعة معا هما صاحب السيادة في الدولة الإسلامية.
فالدولة الإسلامية إذن على هذه الصورة نظام فريد خاص بالإسلام، لا يصح القول بأنه يتطابق مع أي من النظم المعروفة، ولذا فإنه ينبغي أن يوضع لها اصطلاح خاص، وتسمى باسم يمثل حقيقتها، وما دام هذا الاسم لم يوضع، ولم يهتد إليه بعد، فنكتفي بأن يشار إليها بصفة مجملة على أنه "النظام الإسلامي"، فإذا كان لا بد من استعمال لفظ ديمقراطية ، مع مراعاة الفروق الأساسية التي بيناها سابقا، فيمكن أن يوصف هذا النظام على وجه تقريبي بأنه ديمقراطية، إنسانية عالمية دينية أخلاقية روحية ومادية معا، أو يجوز –وهذه المعاني ماثلة في الذهن- أن تجمع كل هذه الصفات في تعبير موجز فيقال: إنها الديمقراطية الإسلامية"

مادة السلطة والنفوذ في الاسلام د.احمد العلمي : النظام السياسي في الإسلام .

النظام السياسي في الإسلام

مقدمات اصطلاحية. معنى: -الفقه السياسي - النظام السياسي الإسلامي - مقاصد الشريعة في الحكم.
 
تتداخل في القانون العام الإسلامي ثلاثة مصطلحات من عدة وجوه، وتتميز من وجوه أخرى، وهي: النظام السياسي الإسلامي    [أو النظرية السياسية في الإسلام]، والفقه السياسي [أو السياسة الشرعية] ، ومقاصد الإسلام في الحكم والمجتمع الإنساني.
-النظام السياسي أو النظرية السياسية الإسلامية، هو مجموعة المبادئ والأسس الفلسفية والحقوقية التي ينبني عليها الفكر السياسي في الإسلام، والتي تشكل نظاما مستقلا، مثل طبيعة النظام السياسي الإسلامي وخصائصه وعناصره، ومثل مفهوم الإسلام لمجموعة من المبادئ السياسية والاجتماعية، كمفهومه للإنسان والمجتمع والشعب والجماعة والأمة والدولة والحقوق والحريات والمؤسسات والقانون والسلطات والتشريع والعقد الاجتماعي، وباختصار المبادئ الإسلامية للقانون الدستوري.
وهذه المسائل هي التي تجعل منه نظاما متميزا عن النظام الاشتراكي والنظام الديمقراطي الليبرالي، وإن كانت له مع هذين النظامين عدة مشابهات وأوجه التلاقي. والنظام السياسي الإسلامي بهذا المعنى كلي في مفاهيمه المستقلة ومعانيه الخاصة، لا يقبل التبعيض ولا التجزيء، وإن كان يقبل التلاقح ويستوعب التطور والخبرة الإنسانية كما قلنا سابقا.
-الفقه السياسي. هو مجموعة القواعد والأحكام الشرعية المتعلقة بالسلطة السياسية من نشوئها إلى عملها إلى انتهائها، مما عرف تاريخيا باسم "السياسية الشرعية".
وهذه الأحكام والقواعد شرعية مصدر قوتها الشرع الإسلامي نفسه لا السلطة السياسية ولا العرف، فهي بهذا تختلف عن القوانين الدستورية الوضعية وعن أحكام الدساتير غير المدونة.
والسبب في ذلك أن الفقه السياسي لا يتعلق بالدولة والقائمين عليها فقط، بل يتضمن أحكاما كثيرة من حقوق وواجبات لعامة الناس، فكل دولة قائمة سواء كانت دولة شورى وشرعية كاملة أوكانت دولة استبداد وشرعية ناقصة، توجد لها أحكام وقواعد فرضتها الشريعة على الناس للتعامل معها والتفاعل مع قوانينها وسلطاتها وأحوالها. وهذا ما يفسر لنا مدى الانسجام أو عدم الانسجام بين الشعوب الإسلامية وأنظمتها الحاكمة ومدى حماسها للعملية السياسية وتفاعلها مع برامج الدولة وأعمالها، مما ينبغي أن يبحث في إطار علم الاجتماع السياسي..
ويتميز الفقه السياسي بأنه يعتمد على "أصول الفقه" و"القواعد الفقهية"، وبأنه يتضمن أحكاما أساسية وأصلية، إما منصوصة في الشريعة وإما مجمعا عليها من علماء الأمة، كما يتضمن مساحة واسعة من الاجتهادات المبنية على أصول الفقه، وخاصة على المصلحة المرسلة وقواعد الترجيح بين المصالح والمفاسد، تبعا لحالة المسلمين والسلطة السياسية والمناخ الدولي.
وهذه الاجتهادات تطورت على مدى 14 قرنا، ساير فيها هذا الفقه الحياة السياسية للمسلمين واستوعب كل التقلبات والتغيرات والانتصارات والهزائم وحالات العدل والجور والشورى والاستبداد، والقوة والضعف، والوحدة والتجزئة ، والشرعية الكاملة والشرعية الناقصة

فهو فقه متطور ومرن، يتميز بخاصتين: أولاهما: الثبات على المبادئ الشرعية التي شكلها النص والإجماع، وثانيهما: التطور مع الأحداث والوقائع حسب الزمان والمكان، أو ما يسميه بعض الدارسين: "تاريخية الفقه السياسي" .
لذلك ليس من الحكمة التقاط حكم من أحكام الفقه السياسي متعلق بواقعة في زمان ما ومكان ما، وجعله عنوانا للفقه السياسي، بل لا بد من النظر في كل الاجتهادات مع وصلها بشروطها التاريخية والظرفية والاستناد إلى القواعد التي أنتجت تلك الاجتهادات، ويكمن خطأ أغلب أحكام المدرسة العلمانية في نقدها للفقه السياسي، وطعن أصحابها في النظام السياسي الإسلامي في إغفال هذه النقطة، إذ يلتقطون موقفا أو رأيا أو حالة ، ثم يقومون بعمليتين خاطئتين: أولاهما عزل هذا الموقف عن أصله الفقهي وعن المواقف الفقهية المكملة والمقيدة، فيقولون: الفقه السياسي يبرر الاستبداد، ويعطيه الشرعية، دون بيان الأصل الفقهي لهذا الموقف، ودون ربطه مع أحكام السلطة الجائرة في الفقه السياسي، ودون بيان حدود الاستبداد الذي يصححه الفقهاء، والقيود التي يخضع لها خلال تصحيحه. وثانيهما: تعميم الأحوال التاريخية على الإسلام نفسه فيستنتجون من استبداد الحكام أن الإسلام دين الاستبداد، ومن وقوع الصراع على السلطة أن الإسلام هو المسئول عنه، وهكذا..
-مقاصد الإسلام في الحكم. يرتبط هذا المفهوم بالمفهومين السابقين، فالنظرية السياسية في الإسلام تتغيى تحقيق مقاصده في الاجتماع والعمران والسياسة، كما أن السياسة الشرعية تتمركز على هذه المقاصد في جوهرها.
ونعني بمقاصد الإسلام في الاجتماع الإنساني والحكم المدني قصد أحكام الشريعة إلى العدالة وإحقاق الحقوق وإنصاف المظلومين والتعاون على الصالح والتناهي عن الشرور وحماية الفئات الأضعف ونفي التمييز على أساس عرقي أو إثني أو غيره، وصيانة الدماء وتحقيق الأمن والسلم محليا ودوليا.
وباختصار تعد مقاصد الإسلام هذه عناوين مشتركة بينه وبين سائر الديانات والنظم، ومفاهيم مغروسة في الفطرة الإنسانية يمكن بها تواصل أهل العلم السياسي المسلمين مع المنظومة الدولية للقيم ومع غير المسلمين في العالم.
ولذلك فإن الدولة الإسلامية في تنظيمها الداخلي تحتاج أساسا إلى معرفة النظام السياسي أو النظرية الإسلامية الخاصة في الحكم، واعتماد الفقه السياسي أو السياسة الشرعية التي تستمد منها المشروعية لعمل السلطة في كل الدول الإسلامية.
أما مقاصد الإسلام في الحكم فتشتد حاجة المسلمين إليها في مجالين عام وخاص، أما العام فهو حاجة الدولة الإسلامية [أو منظومة الدول الإسلامية] إليها في التعامل مع المعاهدات والمواثيق الدولية وفي دراسة القانون الدولي العام والإسهام في مناقشته وصياغته وإغنائه.
وأما المجال الخاص، فهو حاجة المسلمين –أفرادا وهيئات- إليها في المجتمعات والدول غير الإسلامية –ممن يتمتعون بصفة المواطنة فيها- إذ لا تنطبق عليهم أحكام الفقه السياسي كما هي في البلاد الإسلامية، لاستحالتها في حقهم، لكونهم أقلية في مجتمع غير إسلامي. بل يتعين عليهم في مجال العبادات والأمور الشخصية وأمور الحلال والحرام تطبيق أحكام الشريعة في حدود ما تسمح به قوانين المجتمع وظروفه، وأما في المجال العام فينبغي عليهم اعتماد مقاصد الإسلام في المجتمع والحكم أساسا فقهيا في مشاركاتهم السياسية وتعاملهم مع الشأن السياسي عموما، وبذلك يستطيعون التمييز بين البرامج السياسية السائدة في بلدانهم والتعامل الإيجابي معها، والانسجام دون ذوبان في المجتمع غير الإسلامي.